أبو حامد الغزالي
54
تهافت الفلاسفة
فإن أردت أن تستنشق شيئا من روائح المعرفة ، صادفت منها مقدارا يسيرا مبثوثا في كتاب الصبر ، والشكر ، وكتاب المحبة ، وباب التوحيد ، من أول كتاب التوكل ، وجملة ذلك من كتاب الأحياء ، وتصادف منها مقدارا صالحا ، يعرفك كيفية قرع باب المعرفة ، في كتاب « المقصد الأقصى في معاني أسماء اللّه الحسنى » لا سيما في الأسماء المشتقة من الأفعال ، وأن أردت صريح المعرفة بحقائق هذه العقيدة ، من غير مجمجة ولا مراقبة ، فلا تصادفه إلا في بعض كتبنا المضنون بها على غير أهلها ، وإياك أن تغتر وتحدث نفسك بأهليته فتشرئب لطلبه ، فتستهدف للمشافهة بصريح الرد ، إلا أن تجمع ثلاث خصال : إحداها : الاستقلال في العلوم الظاهرة ، ونيل رتبة الإمامة فيها . الثانية : انقلاع القلب عن الدنيا بالكلية ، بعد محو الأخلاق الذميمة ، حتى لا يبقى فيك تعطش إلا إلى الحق ، ولا اهتمام إلا به ، ولا شغل إلا فيه ، ولا تعريج إلا عليه . والثالثة : أن يكون قد أتيح لك السعادة في أصل الفطرة ، بقريحة صافية ، وفطنة بليغة ، لا تكل عن درك غوامض العلوم . . . إلخ » . فأنت ترى في هذا ، أنه جعل كتب « علم الكلام » في ناحية ، وجعل الكتب « المضنون بها على غير أهلها » في ناحية أخرى ، وجعل الأخيرة هي وحدها التي تحتوى الحقيقة ، كما يفهمها وكما يدين بها ، والتهافت من كتب الكلام وليس من الكتب المضنون بها على غير أهلها . أما أنه ليس من الكتب المضنون بها ، فلأنه جرت عادته في هذه الكتب أن يأخذ العهد على قارئها ، ألا يقدمها إلا لمن استجمع الشروط المذكورة آنفا ، والتهافت ليس فيه هذا العهد ، وأما أنه من كتب الكلام فلقول الغزالي نفسه في جواهر القرآن : « ومن العلوم ما يعنى بمحاجة الكفار ومجادلتهم ، ومنها يتشعب علم الكلام المقصود لرد البدع والضلالات ، ويتكفل به المتكلمون وقد شرحناه على طبقتين سمنا الطبقة القريبة منهما « الرسالة القدسية » والطبقة التي فوقها « الاقتصاد في